مقالات

إحدى عشرة سنة لم يصبنا فيها طلّ وما زلنا يا طلّ عَطْشَى

بقلم: منى المصطفى

صادفتني تغريدة كان فحواها “بعد شهرين بالضبط طل الملوحي رح يصرلها عشر سنين بين إيدين الشـبيحة بالمعتقل” هذه طلّ التي لم تكن بيني وبينها أيّة صلة وصل وكانت الثورة ووعي الثورة سببًا لمعرفتي بـ طل أو معرفتي باعتقالها.
من حين تعرفت على مكانها “المعتقل” وهي تحتل الأولوية دائمًا في ذاكرتي أشعر بوجودها، أشعر بحريتها المنشودة التي كانت تبحث عنها، وأنتظرُ خلاصها لأن اللواتي مثلها لا يُمكن أن يُقَيّد فكرهن.
اعتقلها نظام الأسد لإسكات صوت الحريات، وأنا اليوم أحمل فكر طل وأصرخ بصوتها، صورتها مع قضبان السجن تُلازم مُخيلتي على الدوام، ليست طلّ هي الوحيدة التي التهمها شبح الاعتقال لكنها كانت الأقرب لي دومًا؛ ولأن أرضنا هذه لا تسـمح لنا بالتلاقي على ظهرها، وددت لو أن المعتقل لم يكن هو من جعلني اعرفها، لو أن الحريات تتلاقى، لو أن الطغاة لا يعتقلون الزهور، واليوم أنا أقول وأذكر لكي لا تموت ذكرى طل؛ ولأنني متيقنة بوجودها وأنها ما تزال ابنة السبعة عشر ربيعًا كما يوم اعتقالها لم تكبر، وأنها ما تزال تؤمن بحق مطالبها وتنتظر أن يُكسر وَهْم الطاغية لتخرج وتكمل ما بدأت به وما اعتقلت لأجله.
مرَّ على اعتقالها عُمرٌ بأكمله؛ وطموحات منها ماتت وأخرى أَحيت نفسها رغمًا عن إرادة الجلاّد.
طل الملوحي من مواليد مدينة حمص 4 يناير 1991، كانت طالبة ثانوي عندما أعلنت الدولة النصر عليها وداهمها الاعتقال على خلفية نشرها على مدونتها خواطرها التي كانت تقصد بها القضية الفلسطينية وحال الحكام كما الآتي:
“وأنت يا دمي العربي
يا نجمة بيني وبينك
تضيء القدس من لحمي ودمي
من محيطي إلى خليجي
من قبل أن يسلمنا الأهل
إلى الغزاة..
إلى ملوك تربعوا على نعشي
والمعزّون سبايا
من ذلك الزمن الهشّ”.
أوجعت هيبة الدولة بما نشرت وتم استدعاءها إلى الأمن السوري عام 2006 بعد مناشدتها نظام الأسد الإسراع في عملية التحول الديمقراطي في البلاد وتكرر استدعاؤها عام 2007 ثلاث مرات، قبل أن تُغادر أرض سوريا مع أسرتها إلى مصر ثم عادت في تموز عام 2008 لإتمام امتحاناتها ومن ثم المغادرة إلى مصر ، وفي شباط 2009 استُدعيت إلى السفارة السوريّة في مصر للتحقيق معها، سُئلت حينها عن أسماء من تعرفهم من السوريين الموجودين في الخارج عبر الإنترنت.
في أيلول 2009 عادت إلى سوريا ولم تغادرها إلى يومنا هذا.. بقيتْ إلى حين اعتقالها بتاريخ 27/12/2009 هذه آخر تاريخ حيّ كان في حياة طل التي لم يكن لأهلها ورفاقها حق بمعرفة مكانها وموعد ولادتها من رحم الزنزانة مرة أخرى.
طالبت مؤسسات حقوقية سوريًة ودولية ورواد مدونات ونشطاء الرأي ، نظام الأسد بالإفراج عنها منذ أن تم توقفيها وحتى اتمّت شهرها العاشر دون محاكمة، ولأن النظام كان عديم الرد حاول رفاقها البحث عن أيّة معلومة متعلقة بمصير طل؛ فما وجدوا إلا التّهم تُنشر على الصحف السورية معلنة عن اتهام طل بقضية ذات طابع أمني أدت إلى محاولة اغتيال ضابط سوري في شوارع القاهرة.
نحن علينا أن نُعبّر عما يجول بخاطرنا ضد الحكومات والحكومات عليها حياكة التهم لنا وتهيئة المعتقلات وبناء أكبر عدد من السجون في مدننا التي نحلم بالعيش فيها بِلا أيادٍ توضع على أفواهنا ودوائر حديدية تُقيّد حركتنا وجدران إسمنتية تفصلنا عن الحياة.
كان اسمها الثلاثي يعتلي مدونتها كما وضعته “طل دوسر خالد الملوحي” يحضرني الآن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال لسيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه “ألسنا على الحق؟” إذا عشنا وإذا متنا..!؟
في عام حُريتنا نحن، وقبل أن تستعد الحناجر لخلع عرش النظام، حكمت محكمة أمن الدولة الدستورية، في 14 فبراير 2011 على طل بالسجن خمس أعوام بتهمة التجسس لصالح الولايات المتحدة.
ولأنها كانت حاضرة في ذاكرة الثورة تم إدراج اسمها عام 2013 ضمن صفقات التبادل التي تتم بين الجيش الحر آنذاك ونظام الأسد وتمت الصفقة، وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان تم إطلاق سراح 48 معتقلة من سجون النظام مقابل الإفراج عن اللبنانيين التسعة الذين كانوا بمدينة “إعزاز” بقبضة الثائرين ضد النظام، ولكن لم تكن طل بين الـ 48 ولم ترَ النور إلى يومنا هذا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock