مقالات

مسنون يروون ذكريات أعيادهم السابقة

بشار الأحمد – مكتب حماة الإعلامي

قديماً كانت تبدأ مظاهر العيد في سوريا قبل العيد نفسه، حيث تتوافد الأسرة على الأسواق لشراء حاجاتها من ألبسة وأطعمة وغيرها، الأمر الذي كان يجعل ليل السوريين يشبه نهاره بسبب ازدحام الأسواق فلا تميز ما إذا كانت الساعة الثامنة مساءً أو الرابعة فجراً.

هذه المظاهر التي كادت أن تكون معدومة في سورية منذ بداية الثورة 2011، اختفت الكثير من العادات اليومية التي كان يمارسها السوريون قبل الثورة، وذلك بسبب تحول الحدائق العامة إلى مقابر نتيجة مجازر النظام التي ارتكبها بحق الشعب السوري، في الشمال السوري استقبل عيد الفطر هذا في وقت بلغ فيه عدد النازحين و المهجرين أكثر من نص سكان سوريا بحسب إحصائية الأمم المتحدة، عدا عن المجازر التي عمد نظام الأسد على ارتكابها خلال أيام العيد من خلال الاستهداف الممنهج للأسواق الشعبية وأماكن تجمع المدنيين وملاهي الأطفال.

كان لابد للخالة أم أحمد المهجرة من بلدة قمحانة من أن تروي لنا وتتحدث عن طقوس تجهيزات العيد قبل الثورة مستذكرة الأيام السابقة قائلةً: “كان الأسبوع الأخير من رمضان مرتبط بالتنظيف وترتيب المنزل وإحضار القماش المطرّز حيث نقوم بأخذه الى الخياطة المختصة لتصنع العباءات والأثواب لتكون مميزة وذات طابع لافت ومميز”.

وتكمل الخالة أم أحمد: “لم نكن نحضر الثياب الجاهزة حيث كانت تعتبر أنها غير مناسبة فضلاً عن أسعارها المرتفعة ولا تناسب العادات، على العكس تماماً هذه الأيام التي لم نعد نرى شيء من هذا القبيل”.

في حين تحدث العم علي أبو درغام القاطن في مخيم “عائدون” على الحدود السورية التركية والمهجر من ريف حماة الغربي و البالغ من العمر 60 عام عن تجهيزات العيد قائلاً : “اعتدنا على جلب القماش من مدينة حماة، و الذهاب به إلى مدينة سراقب المشهورة بتفصيل الجلابيات ولكن الآن لم تعد هذه العادة موجودة بسبب سيطرة النظام على هذه المناطق و حالة القهر التي نعيشها في ظل وضع معيشي وإنساني سيء”، للعلم أن مدينة حماة تبعد عن مكان سكنه حوالي 70 كم و مدينة سراقب تبعد حوالي 40 كم، رحلة شاقة كان يقوم بها الأهالي للحفاظ على عادات وتقاليد توارثوها عن أباءهم وأجدادهم جيل بعد جيل.

حالة من الحزن قد بدت على وجه العم أبو درغام الذي فقد اثنين من أبناءه خلال الثورة السورية “درغام وخالد”، تلاها تمنيات بحل لهذا الوضع الذي يعيشه المهجرين والنازحين في مخيمات الشمال، وعودة إلى قراهم وبلداتهم.

لتبدأ مرحلة تجهيز حلويات العيد و مأكولاته التي اهتم بتجهيزها الأهالي، وإذا خلا بيت من الحلويات السورية قالوا إن أصحابه “ليسوا معيدين”، ومن أنواعها وأشكالها: “المبرومة والشرحات والبقلاوة والبلورية وكول وشكور والوربات بالفستق الحلبي والقشطة وزنود الست وإسواره الست و الرز بحليب و المهلبية و الكعك و المعمول المحشي بالتمر، هذه الاصناف التي عادة ما يتم تجهيزها قبل العيد بأسبوع تقريباً، هذا ما تحدثت عنه الحجة أمنة أم أحمد التي هجرت في الحملة الأخيرة للنظام و حليفه الروسي على ريف حماة الغربي و جبل شحشبو بالتحديد لتستقر بها الحال في مخيمات دير حسان شمال سوريا.

للقهوة المرة نصيب من هذه الأجواء حيث تعبق رائحة القهوة العربية في منزل العم “أبو عبد العزيز” المهجر من ريف حماة الشمالي منذ بداية الثورة بعد أن استقر بالقرب من مدينة سرمدا شمالي إدلب، والذي ورث هذا الأمر عن أبيه وجده وحافظ على هذا التراث إلى يومنا هذا، وتجهيز المضافة لاستقبال الزوار والضيوف.

ومع أولى الساعات من صبيحة يوم العيد، يتجمع الناس لأداء الصلاة في قراهم وبلداتهم الخاصة، ثم تبدأ مظاهر تهنئة السوريين بعضهم البعض في المسجد أو الساحات وتقديم التهاني الخاصة مثل (كل عام وأنتم بخير) و(تقبل الله طاعتكم) وغيرها، ثم يتوجه الناس إلى قبور ذويهم لوضع أكاليل الآس والورود على قبورهم.

الملفت في الموضوع أن الزيارات في العيد تعود الأولويات للبيت “المنقوص” ويعني أنه هذا البيت قد توفي أحد أفراده ولم يمر عليهم عيد بعد وفاته فتقوم الناس بزيارة أهل بيته لإدخال جو من البهجة والفرح إلى هذا البيت، يليه بيت الأباء والأجداد.

تلك الأجواء التي غابت عن الأعياد منذ انطلاق الثورة السورية بسبب بطش النظام بالشعب السوري وتهجير وتغييب الكثير من السوريين، التي لخصت المعايدات في مكالمة هاتفية خلف الشاشات عبر كاميرة الفيديو التي باتت هذه الوسيلة الوحيدة التي تجمع الابناء المهجرين من سورية مع ذويهم الذي يقطنون مخيمات النزوح.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock