أخبار سياسية

اتفاق موسكو -المضامين والأبعاد ( المعهد المصري للدراسات )

أدى تصاعد المعارك في جنوب إدلب وشمال حماه مؤخراً لتوتر العلاقات التركية الروسية، والتي وصلت قمتها في 27 فبراير 2020، حينما قُتل 33 جندياً على الأقل من الجيش التركي، إثر غارات جوية على محافظة إدلب شمال غرب سوريا، والتي نسبتها أنقرة إلى دمشق، لكن موسكو حمّلت أنقرة المسؤولية، متذرعةً بأن الجنود الأتراك كانوا وسط مسلحين سوريين زعمت بأنهم كانوا ضمن “مجموعات إرهابية” وبعدم علمها بمواقع تواجد القوات التركية، وهو ما نفته وزارة الدفاع التركية[1]. وردت تركيا بهجوم كثيف على قوات النظام السوري ومواقعه، وأعلن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” في 29 فبراير، أنه قد تم قصف 7 مستودعات لمواد كيميائية، وتحييد أكثر من 2,100 جندي سوري، وتدمير حوالي 300 مركبة عسكرية من بينها 94 دبابة[2]. وفي ضوء المعارك الأخيرة، استعادت قوات المعارضة المدعومة من تركيا السيطرة على مدينة “سراقب”، قبل أن تستعيد قوات النظام السوري السيطرة عليها من جديد[3]، على الرغم من تكبدها خسائر كبيرة.

وبالتالي فإن المحصلة النهائية لهذه العمليات الأخيرة من جهة السيطرة على الأرض، فقدان قوات المعارضة التي تدعمها تركيا المنطقة الاستراتيجية الأهم “سراقب”، والتي تقع على مفترق الطرق الدولية، سواء الإم4 أو الإم5. وتمكن النظام من السيطرة على مساحة جغرافية كبيرة، كانت تقع ضمن حدود اتفاق سوتشي، وأهمها سراقب ومعرة النعمان وشير مغار وخان شيخون ومورك، ومحاصرةً نقاط المراقبة التركية في هذه المناطق. انظر الخريطة (1). وبينما أصبح النظام مسيطراً على كامل الطريق الدولي إم5 الواصل من حلب لدمشق، فقد استطاع قطع الطريق إم4 الواصل من حلب للاذقية، بالسيطرة على سراقب دون السيطرة على الطريق بالكامل. وعند خريطة السيطرة الجغرافية هذه، عقد الرئيسان التركي “أردوغان” والروسي “بوتين” لقاء قمة في 5 مارس، أسفر عن اتفاق جديد، هدفه المركزي وقف إطلاق النار في إدلب ووضع حد للتوتر في علاقاتهما البينية[4].

خريطة (1) توضح اتفاق سوتشي والنفوذ العسكري قبل عقد القمة:

إدلب الاتفاق التركي الروسي ـ المضامين والأبعاد-1
المصدر: مركز جسور للدراسات

أولاً، نص الاتفاق

يعتبر الاتفاق الأخير بين تركيا وروسيا ملحقاً إضافياً لاتفاق سوتشي، ويشمل الآتي:

  • وقف كافة الأنشطة العسكرية على طول خط التماس في منطقة خفض التصعيد بإدلب، بدءاً من منتصف ليل الخميس (5 مارس).
  • إنشاء ممر آمن عرضه 6 كلم شمالي الطريق الدولي أم 4، و6 كلم جنوبي الطريق، على أن تنسيق المعايير الدقيقة لعمل الممر بين وزراتي دفاع البلدين في غضون أسبوع. انظر الخريطة (2)
  • تسيير دوريات تركية وروسية مشتركة اعتباراً من 15 مارس الجاري، على امتداد الطريق البري أم 4 بين منطقتي ترنبة غرب سراقب وعين الحور.
  • الحد من إجبار المدنيين على النزوح، وتسهيل عودة النازحين إلى أماكن إقامتهم الأصلية.
  • مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله، وخاصة التنظيمات المُدرجة في لوائح مجلس الأمن الدولي للإرهاب[5].

خريطة (2) توضح مخرجات الاتفاق

إدلب الاتفاق التركي الروسي ـ المضامين والأبعاد-2
المصدر: مركز جسور للدراسات.

ثانياً، محددات الاتفاق

في سياق المعارك الأخيرة ومخرجاتها النهائية متمثلة في اتفاق تركي روسي جديد أو مكمل حول إدلب، برزت عدة محددات دفعت نحو عقد القمة ومن ثم توقيع الاتفاق. ويمكن إجمالها كالتالي:

(1) الداخل التركي، والذي لعب دورين رئيسيين، الأول في سير المعارك، والثاني في عقد الاتفاق. فمشكلة اللاجئين في الداخل التركي، والتي أثرت على شعبية حزب العدالة والتنمية، من خلال رسالة أرسلها الداخل في انتخابات البلدية الأخيرة، أحد المحركات للعمليات التركية في الداخل السوري، بما فيها معارك إدلب. في ذات الوقت كانت أحد الدوافع لوقف المعارك وعقد اتفاق جديد بين تركيا وروسيا. فمع تساقط العديد من قتلى الجيش التركي، تزامن معه ضغوط داخلية من المعارضة، بالأخص حزب الشعب الجمهوري، وهو ما يمكن تلمسه في الخطاب الأخير لزعيم الحزب[6]. فالمعركة التي دخلتها تركيا لحل مشكلة داخلية، أصبح استمرارها في حد ذاته معضلة داخلية أيضاً. وبالتالي كان الداخل التركي دافع لعقد اتفاق في أقرب وقت، لمنع سقوط المزيد من الضحايا في الجيش التركي.

(2) السيطرة على الأرض، في اللحظة التي عقد فيها اجتماع القمة، كانت قوات النظام بدعم روسي مسيطرة على مساحات جغرافية كبيرة تقع ضمن حدود سوتشي، ومحاصرةً نقاط المراقبة التركية فيها. كمورك وشيرمغار ومعرة النعمان وخان شيخون وسراقب، تلك المدينة الاستراتيجية الوحيدة التي كانت قوات المعارضة بدعم تركي كانت قد سيطرت عليها، واستعادت قوات النظام السيطرة عليها من جديد.

(3) القوة النارية التركية الفاعلة، في معارك إدلب الأخيرة، تغيرت قواعد الاشتباك جزئياً. خاصة مع القوة النارية الفاعلة والمفاجئة من الجانب التركي لخصومه، كما لم تستطع روسيا الدفاع عن النظام وقواته عبر تفعيل منظومة دفاعاتها الجوية. كان السلاح التركي الأبرز طائرات بدون طيار “بيرقدار TB2”[7]. وبفضل هذا السلاح كبدت قوات النظام وحلفائه خسائر كبيرة، فحسب ما أعلنه وزير الدفاع التركي “خلوصي آكار” في 2 مارس الماضي، كانت على مستوى الأفراد تحييد 2,557 عنصراً، أما المعدات تدمير مقاتلتين و8 مروحيات وطائرتين مسيرتين و135 دبابة و5 منصات دفاع جوي، و16 مضاد طيران، و77 عربة مدرعة، و9 مستودعات ذخيرة[8].

لم تكن الطائرات المسَيرة صاحبة الفضل فقط في إحداث الفاعلية، فقد رافقتها منظومة “كورال موبيل لأنظمة الحرب الإلكترونية”، فلم تتمكن أنظمة Pantsir S-1 الروسية الدفاعية الجوية من رؤية الطائرات المسيرة التركية، حتى عندما كانت قريبة منها بفضل منظومة كورال التي شوشت على الرادارات[9]. وبالتالي مثّل هذا المتغير ورقة ضغط جديدة في يد تركيا، إذ أن استمرار التصعيد كان يعني قدرة الأخيرة على إحداث المزيد من الخسائر في قوات النظام السوري. وهي ورقة ضغط أصبحت في يد تركيا ليس فقط في الملف السوري، بل في كل المناطق التي تمثل مساحة نفوذ لها في ليبيا والخليج والقرن الإفريقي.

(4) الموقف الأمريكي والأوروبي، بالنسبة لأمريكا، فليس من مصلحتها سيطرة النظام والروس على إدلب بشكل كامل، لسببين رئيسيين، الأول تحول دون استفادة النظام من الطرق الدولية اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، وهي تمر جميعها بإدلب. وبالتالي تمنعه من مصدر دخل يمكن أن يستفيد منه في دعم مجهوده الحربي، أو إعادة الإعمار، فضلا عن تعويمه وإعادة الشرعية لنظامه السياسي إقليمياً ودولياً. الثاني سيطرة النظام بدعم روسي على إدلب وغيرها من المحافظات الاستراتيجية، يدفع في اتجاه تحقيق الرغبة الروسية في صياغة حل سياسي للأزمة يتفق ورؤيتها، بعيداً عن مسار جنيف. وبالتالي لا يمكن للولايات المتحدة أن تسمح بذلك.

بجانب هذه الأهداف، كان التصعيد الأخير في إدلب فرصة استراتيجية للولايات المتحدة، من حيث إصلاح حقيقي في علاقاتها وتحالفها الاستراتيجي المأزوم مع تركيا، وإحداث فجوة في العلاقات التركية الروسية، وحل معضلة الصراع التركي مع قوات سوريا الديموقراطية. وفي مقابل مصفوفة الفرص والأهداف التي تدفع نحو موقف أمريكي داعم لتركيا في ملف إدلب، فإن هناك محدد استراتيجي شديد الخطورة يبرز، ويدفع الولايات المتحدة لتحجيم هذا الدعم.

هذا المحدد يمكن تلمسه في التباين بين سياسة المؤسسات الأمريكية التقليدية كالبنتاغون والكونجرس والاستخبارات من ناحية وسياسة البيت الأبيض بقيادة “ترامب” من ناحية أخرى تجاه تركيا، حيث يلاحظ أن الأخير أقرب لتركيا من المؤسسات. تفسير ذلك يعود لكون ترامب رجل أعمال لا يدرك الحقائق الجيواستراتيجية في العلاقات الدولية والنظام الدولي. أما المؤسسات التقليدية الراسخة فتدرك الأبعاد الاستراتيجية للنظام الدولي والنظم الإقليمية، والقوى الدولية والإقليمية، سواء المحافظة أو المراجعة التعديلية، تلك التي ترغب في إعادة تشكيل النظام الدولي، وتلك التي تريد الخروج عن السيطرة الأمريكية ونهج سلوك مستقل ولو جزئياً عنها.

ويسعى أردوغان لتبني سياسة خارجية أكثر استقلالية وفاعلية بعيداً عن الالتزامات الأمريكية، والتي يراها السبيل الوحيد لفرض تركيا نفسها كقوة ليس إقليمية فقط، بل يمكن لها على المدى البعيد أن تتجاوز هذه الإقليمية، لتكون قوة دولية. وقد مكّن اتباع هذا النهج الرئيس أردوغان من ترسيخ قدمه في الحكم، وبالأخص بعد حدثين: الأول محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، وقدرته على تحجيم كل القوى المناوئة له داخل وخارج الجيش؛ والثاني هو الاستفتاء على التعديلات الدستورية في إبريل 2017، والتي غيرت النظام السياسي في تركيا من برلماني إلى رئاسي، ما سهلت له القدرة على التحرك والمناورة في الخارج، بعيداً عن تعقيدات الحكومات البرلمانية. وبينما لا يدرك ترامب هذه المتغيرات أو لا يقتنع بها، فإن المؤسسات التقليدية تضع هذه المتغيرات في صميم اهتمامها وتحركاتها.

في ضوء المحددات السابقة، يلاحظ أنه كان هناك موقف أمريكي داعم لتركيا سياسياً سواء في معارك إدلب الأخيرة[10]، أو في تضامنها مع المطلب التركي بخروج قوات النظام من حدود سوتشي[11]. لكن هذا الدعم لم يُترجم بدعم عسكري ولوجستي على الأرض، بما في ذلك على سبيل المثال دعم تركيا بمنظومة الدفاع الجوي باتريوت. إن التباين بين المؤسسات الأمريكية وترامب في التعامل مع تركيا ظهرت ملامحه في هذه الأزمة؛ فبينما أعلن وزير الدفاع الأمريكي “مارك إسبر” دراسة بلاده تقديم دعم إنساني، لا دعم جوي[12]، فإن المبعوث الأمريكي لسوريا “جيمس جيفري” صرح بأن أمريكا راغبة في تقديم ذخيرة لتركيا، وسفير أمريكا في أنقرة قال ندرس مد تركيا بصواريخ باتريوت[13]. كما أعلن “جيفري” أن بلاده منقسمة بخصوص دعم تركيا[14]. إن هذا التضارب في المواقف الأمريكية يمكن قراءته في سياق آخر، وهو محاولة إيهام تركيا بأن هناك دعم عسكري ولوجستي محتمل، حتى تدفعها نحو استمرار التصعيد العسكري، بما يؤدي لمزيد من استمرار التوتر في العلاقات التركية الروسية.

أما دول الاتحاد الأوروبي، فقد أظهرت مواقف سياسية داعمة لتركيا في هذه المعارك، مدفوعةً بقرار الرئيس أردوغان فتح الحدود أمام اللاجئين باتجاه أوروبا[15]. هذا الدعم أيضاً ظهر في اجتماع حلف الناتو على مستوى السفراء في 28 فبراير، عبر تفعيل المادة 4 من ميثاق الحلف، حيث بحث أوجه دعمه لتركيا[16]. لكن الإشكالية التي تواجه هذا الدعم، هو أن حلف الناتو حلف دفاعي، وبالتالي لن يقدم على خطوة دعم تركيا عسكرياً ولوجستياً إلا إذا تعرضت أراضيها ذاتها للاعتداء. كما أن تفعيل الباتريوت إذا تم، سيكون في إطار حماية الأجواء التركية، دون أن يتعدى للأجواء السورية[17]. لكن الأمر في المحصلة النهائية أنه كان هناك دعم سياسي لتركيا من حلف الناتو ودول أوروبا.

هذه المعطيات أثرت في مجريات الأحداث والاتفاق من ناحيتين، الأولى أنها مثلت ورقة ضغط تركية في مواجهة روسيا، فقد أصبحت هناك احتمالية خسارة روسيا لروابطها الاستراتيجية مع تركيا التي استثمرت فيها عدة سنوات، في ظل دعم أمريكي بجانب الناتو والاتحاد الأوروبي لتركيا سياسياً، من الممكن أن يتحول لدعم عسكري في أي لحظة، ما مثل دافعاً لروسيا لعقد القمة ثم الاتفاق. ومن ناحية ثانية عدم ترجمة الدعم السياسي الأمريكي والأوروبي لدعم عملياتي ولوجستي حقيقي دفع تركيا لمحاولة التهدئة وعدم خسارة روسيا.

(5) العلاقات التركية الروسية، تدرك تركيا حجم الفجوة التي باتت تفصلها عن الغرب، حيث تعاظمت وتعقدت الملفات الخلافية بينهما، وأصبح تجاوزها ليس بالأمر اليسير. ومن ثم فإن خسارتها لروسيا قد لا تعني بالضرورة كسب حليفها الأمريكي والأوروبي. وروسيا تدرك حجم المكاسب التي حققتها بتقاربها مع تركيا، فمن ناحية كسب دولة بحجم تركيا ووزنها الإقليمي، خاصة بعد الحصار الدولي الذي فُرض على موسكو جراء أزمة أوكرانيا، ومن ناحية أخرى إحداث شرخ في حلف الناتو عبر جذب القوة الثانية عسكرياً بعد الولايات المتحدة من حيث القوة البشرية، وتصدير منظومتها الدفاعية الجوية لها، ومخاطر ذلك من الناحية الأمنية على الحلف وخططه وانتشاراته. بجانب ذلك، دخلت العلاقات التركية الروسية مؤخراً في شراكات استراتيجية من الناحية الاقتصادية بعد ثلاث مشاريع كبرى، محطة الطاقة النووية “آق قويو”، وخط الغاز السيل التركي، ومنظومة اس400 الدفاعية. وهي مشاريع ربطت الدولتين بروابط استراتيجية طويلة الأمد أمنياً واقتصادياً وجيواقتصادياً.

انطلاقاً من هذه المعطيات، فالاتفاق بين تركيا وروسيا يبدو وكأن غايته النهائية لا تتعلق بوقف التصعيد في إدلب، بقدر ما هو وقف التوتر في العلاقات التركية الروسية. فإذا تحقق هذا الغرض فإن أي غرض آخر في إدلب يمكن تحقيقه بعد ذلك. وهو ما يفسر وصف البعض الاتفاق بأنه اتفاق هدنة أو مرحلي أو تكتيكي، فضلاً عن غياب بعض النقاط عنه كمصير هيئة تحرير الشام، والمناطق التي سيطرت عليها قوات النظام في حدود سوتشي، ونقاط المراقبة التركية.

(6) إدلب والمقايضة بملفات أخرى، قد تكون هناك ملفات تتجاوز إدلب سواء داخل سوريا أو خارجها قد أثرت في إخراج الاتفاق بهذا الشكل، ويبرز في هذا الصدد ملفّا الأكراد وشرق الفرات وليبيا. فهل هناك وعود روسية لتركيا بشأن الأكراد، وهل إعلان “بشار الأسد” في نفس يوم توقيع الاتفاق، أنه لن يكون هناك اتفاق مع الأكراد إلا باتخاذهم موقف من الاحتلال الأمريكي، وأن القضية الكردية عنوان وهمي[18] يقع ضمن هذا الإطار؟ وهل تصريح الرئيس أردوغان بعد عودته من موسكو وتوقيع الاتفاق مباشرةً، بأن “بوتين” سيقدم على خطوات إيجابية بخصوص قوات “فاغنر” الروسية في ليبيا[19] أيضاً يقع في إطار نقاط غير معلنة ضمن الاتفاق؟ فهذه القوات لو تم سحبها، قد تغير من موازين القوى لصالح حكومة الوفاق المدعومة من تركيا.

ثالثاً، حسابات الربح والخسارة

بالنظر لمجريات المعارك الأخيرة وانتهاءً بالاتفاق ونصوصه، يمكن الوقوف على حسابات ربح وخسارة الطرفين، تركيا وحلفائها من ناحية وروسيا وحلفائها من ناحية أخرى.

(1) تركيا وحلفاؤها

تمثل إدلب بالنسبة لتركيا أهمية كبيرة، أولاً كونها منطقة نفوذ وورقة ضغط قوية، تمكنها من الحضور في مفاوضات تقرير الحل السياسي لأزمة تقع في دولة حدودية معها، بما يمكنها من إلزام الأطراف الفاعلة بتصورها لهذا الحل. ثانياً تُعد محافظة إدلب نقطة تقاطع للطرق الدولية، ومن ثم تمثل ورقة ضغط إضافية في مواجهة روسيا وحلفائها. ثالثاً يُعد التواجد التركي في المحافظة ستار جغرافي يحمي مناطق سيطرتها الأخرى في غرب الفرات، في غصن الزيتون ودرع الفرات. وبالتالي يبدو أن هناك قناعة تركية بأن تخليها عن إدلب سيتبعه تخلي عن بقية المناطق الأخرى، عبر القضم التدريجي. وبالتالي هناك ضرورة تركية مُلحة لإظهار الحزم والإصرار على عدم التخلي عن إدلب، حتى تصل الرسالة للروس مفادها أنها لن تسمح بالتنازل ليس فقط عن إدلب بل أيضاً عن مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات. أخيراً قضية اللاجئين والقلق الدائم من موجة لاجئين جديدة لتركيا؛ فبينما هي تحاول معالجة هذه الأزمة، بإرجاع اللاجئين لموطنهم، فليس لديها طاقة لتحمل موجات لجوء أخرى.

كما تسعى تركيا لعدم الخروج من سوريا بما في ذلك إدلب على المدى القصير والمتوسط، بينما على المدى البعيد مع التوصل لحل نهائي للأزمة، فإن الخروج التركي من سوريا مرجَح. دافع ذلك أن الحل النهائي مرجح أن يتضمن مراعاة للمخاوف التركية على أمنها القومي، مستغلةً في ذلك ورقة مساحة نفوذها وسيطرتها على الأرض. بما في ذلك القواعد الجديدة التي سيتم الاحتكام إليها إذا ما صدر عن سوريا تطور، عدته تركيا خطراً على أمنها القومي. سواء في إطار اتفاقية أضنة أو تعديل لها أو اتفاق جديد.

طيلة المعارك الأخيرة ظلت تركيا تؤكد على أن هدفها الرئيسي هو انسحاب قوات النظام حتى حدود اتفاقية سوتشي، “موضحة في الخريطة (1)”. وإذا ما قيست حسابات الربح التركية استناداً لهذا الهدف، فإن الخسارة واضحة. فالاتفاق لم ينص على انسحاب قوات النظام من مواقعها التي تقدمت فيها وسيطرت عليها في المعارك الأخيرة، بما فيها الطريق الدولي إم5 وسراقب. والدوريات المشتركة والممر الآمن سيتم في مناطق سيطرة المعارضة حول الطريق الدولي إم 4، يبدأ من غرب سراقب، أي أنه يستثني حتى سراقب من الممر الآمن.

في المقابل استفادت تركيا من الاتفاق في إيقاف النظام عن قضم المزيد من المناطق، خاصةً وأن الأخير قد أثبت قدرته على التقدم، حتى في ظل القوة النارية الفاعلة والمفاجئة، التي أظهرتها تركيا عبر طائرات الدرونز وغيرها. وكذلك فإن وقف إطلاق النار وضع حداً لتدفق المزيد من اللاجئين، فضلاً عن سقوط المزيد من الضحايا في صفوف الجيش التركي وانعكاسات ذلك السلبية في الداخل التركي.

أما المعارضة فإن أي توافق تركي روسي غالباً ما يأتي على حسابها، وبالتالي فإن استمرار الخلافات التركية الروسية في الملف السوري يعد مصلحة للمعارضة السورية. فهذه الجماعات لم يعد لديها ما يمكن أن تخسره، مع تضاءل مساحة سيطرتها الجغرافية. بخلاف تركيا التي لديها الكثير الذي يمكن ان تخسره في مثل هذه المعارك، فضلاً عن احتكامها للعديد من الحسابات والمحددات. فالسيطرة على الأرض هي الغاية النهائية لقوات المعارضة كما النظام. بينما تركيا وكذلك روسيا، فإن السيطرة على الأرض وسيلة لتحقيق أهدافهما. ولذلك يقومان بإدارة هذه السيطرة بما يحقق أهدافهما معاً، ويحافظ على ديمومة التحسن في علاقاتهما البينية. وغالباً ما يتوصل الطرفان التركي والروسي لهكذا توافق بعد جولة من المعارك يخوضها حلفاؤهما المحليون. ولذلك يمكن قراءة الاتفاق أيضاً في ضوء كونه وسيلة لإنقاذ العلاقات التركية الروسية من التدهور.

2-  روسيا وحلفاؤها

تهدف روسيا على المدى القصير والمتوسط، ليس للسيطرة الكاملة على إدلب، لإدراكها أن هكذا هدف سوف يمر عبر خسارة حليفتها تركيا، والتي استثمرت كثيراً في نسج روابط استراتيجية معها، لم ترتق لتحالف استراتيجي بعد، ولكنها استطاعت جذبها بعيداً عن المعسكر الغربي. وبرغم أن السيطرة على إدلب وسوريا كاملةً حاضر في الخطط الروسية، لكن على المدى البعيد مع نضوج حل سياسي نهائي.

أما على المدى القصير والمتوسط، فأولوياتها تجاه إدلب، أولاً، حماية قواعدها عسكرية، بالأخص القاعدة الجوية في حميميم. ثانياً السيطرة على الطرق الدولية إم4 وإم5. الأول الذي يبدأ من اللاذقية على الساحل حتى حلب ومنها يتجه شرقا حتى الحسكة والحدود السورية العراقية. أما الثاني، فيبدأ من دمشق حتى حلب، وبإمكانه الاتجاه جنوباً نحو الأردن وشمالاً نحو تركيا. وبالتالي عقدة المواصلات هذه تربط سوريا برياً بثلاث دول في المنطقة، تمثل شريان لمسارات خطوط تجارة دولية بينهم، سواء مع العراق شرقاً ومنها لإيران وبقية دول آسيا، أو الأردن جنوباً ومنها لدول الخليج حيث أنابيب النفط والغاز، أو تركيا شمالاً ومنها لأوروبا. وبرغم أن طريق حلب_عنتاب لا يخضع لسيطرة الطريقين الدوليين كما هو واضح من الخريطة (3)، لكنه يعد امتداداً لهما، بما يربط هذه الخطوط بتركيا.

خريطة (3) توضح الطرق الدولية في سوريا

إدلب الاتفاق التركي الروسي ـ المضامين والأبعاد-3
المصدر: آر تي عربي.

ما يرجح ذلك، سعي روسيا لتبني مجلس الأمن الدولي إعلاناً يدعم هذا الاتفاق[20]. وهذا يعني إعطاء شرعية لهذا الاتفاق، بما يُحَجم الأطراف من انتهاكه وعدم الالتزام به. فلو كانت السيطرة الكاملة على إدلب ضمن الخطط الروسية في المدى المنظور، لما سعت لإعطاء الاتفاق شرعية دولية، لتتمكن من الانقضاض عليه بسهولة وبدون تعقيد. لكنها تدرك أنها أخذت من إدلب ما تريده في المدى المنظور والمتوسط على الأقل.

تستطيع روسيا تحقيق عدة أهداف من هذه الطرق، أولاً السيطرة على الطريقين يعني الإمساك والسيطرة على الجغرافيا السورية عسكرياً وإدارياً، والقدرة على الاحتفاظ بمناطق السيطرة. فطريق الإم5 وحدة يربط محافظات دمشق، حمص، حماة، إدلب وحلب. بينما إم4 يربط اللاذقية، إدلب، حلب، الرقة، والحسكة. ثانياً يستطيع النظام الاستفادة منها اقتصادياً عبر تفعيلها، من خلال إدارة الحركة المرورية والتجارية، بما قد تعد مصدر لدخله على المدى القصير والمتوسط في دعم المجهود الحربي، بجانب الخدمات الاجتماعية الأخرى، والمدى البعيد في إعادة الإعمار. وهو ما يفسر لقاء وزير الصناعة الأردني “طارق الحموري” بنظيره السوري “محمد سامر الخليل” في 5 مارس الماضي، وهو أول لقاء رسمي سوري أردني، منذ إعادة فتح المعبر الحدودي بين البلدين “جابر_نصيب” في أكتوبر 2018[21]. حيث يأتي متزامناً مع سيطرة النظام على الطريق الدولي إم5 في الحملة الأخيرة. ثالثاً تفعيل حركة التجارة الدولية عبر هذه الطرق، قد تمكن روسيا من إعادة تعويم الأسد كنظام  شرعي، عبر الاعتراف به من بوابة التعامل معه من خلال الطرق الدولية، سواء تركيا في الشمال أو الأردن في الجنوب والعراق في الشرق.

بالنظر للمعطيات السابقة، فإن روسيا استطاعت تحقيق جزء كبير من أهدافها، بل تعد الرابح الأكبر من الاتفاق، ومن قبلها تطورات الأحداث. فبالنسبة لهدف حماية قاعدتها العسكرية الجوية في حميميم، فيبدو أن الممر الآمن والدوريات المشتركة التركية الروسية كفيل بتحقيق هذا الهدف. فبالنظر للخريطة (4)، يظهر أن الممر الآمن يقع ضمن المنطقة التي تعتبر أخطر المناطق تهديداً لهذه القاعدة، وهي المنطقة الجنوبية من إدلب المتاخمة لمحافظة اللاذقية، والتي تتواجد فيها قوات المعارضة، والتي ستنسحب منها بموجب هذا الاتفاق، لتحل محلها قوات تركية روسية.

خريطة (4) توضح الممر الآمن الذي يمكن روسيا من تأمين اللاذقية:

خريطة (4) توضح الممر الآمن الذي يمكن روسيا من تأمين اللاذقية
المصدر: مركز الجسور للدراسات.

أما ما يتعلق بالطرق الدولية، فبينما سيطرت قوات النظام على الطريق الدولي إم5 “حلب_دمشق”، فإن الطريق الآخر إم4 “حلب_ اللاذقية” ضمنته روسيا. وذلك من خلال الممر الآمن، الذي سيخول لها السيطرة مع تركيا على الجزء الذي تسيطر عليه المعارضة من هذا الطريق، بينما الجزء الآخر تحت سيطرة النظام.

لكن وفق الوضع الحالي، تستطيع روسيا وحلفاؤها استغلال السيطرة على هذه الطرق في مزيد من التحكم في البلاد والسيطرة والضبط، كما يمكن إعادة تطوير هذه الطرق، ولكن في إطار حركة تجارة داخلية فقط. لأن امتداد هذه الطرق سواء شمالاً، من حلب لعنتاب يسيطر على جزء كبير منه المعارضة المدعومة من تركيا، كما أن تركيا نفسها لن تقبل بتفعيل هذه الطرق معها عبر معابرها الحدودية، إلا بشروط معينة، تبدو غير ممكنة في المدى المنظور، خاصةً وأن تفعيلها معها يعني تطبيعاً مباشراً مع النظام السوري. كما أن امتداد هذه الطرق شرقا من حلب نحو الحسكة، تتقاطع مع مناطق سيطرة للمعارضة المدعومة تركياً، بالإضافة لمناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية المدعومة أمريكياً. 

أما النظام السوري، فقد تعرض هو وقواته لخسائر فادحة في المعارك الأخيرة، ولا يُعد هكذا اتفاق في صالحه.  فهدفه الأساسي دائماً هو السيطرة المطلقة على كامل سوريا، وبالتالي على كامل إدلب، وهذه هي عقلية البعثيين. فليس لديه الحسابات والمحددات التي تحكم روسيا. ولذلك فإن أي اتفاق يمكن أن يحجمه عن السيطرة الكاملة هذه، سينظر إليه من منظور الخاسر لا الرابح.

أخيراً إيران، وعلى الرغم من رغبتها في دعم الأسد في السيطرة الكاملة على سوريا وبالتالي إدلب. إلا أنه في ظل اللحظة الحالية الحرجة إقليمياً، فإن من مصلحتها عدم استمرار التصعيد في إدلب؛ لتخوفها من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى استدارة في العلاقات التركية مع الولايات المتحدة، بما قد يدفع في النهاية لتغير في السياسة التركية المعارضة للتصعيد الأمريكي مع إيران والعقوبات المفروضة على الأخيرة. وهو ما يفسر ردود الفعل الإيرانية على التصعيد الأخير، سواء دعوتها للتهدئة وعقد قمة ثلاثية تحت مظلة أستانا[22]. أو في دعوتها تركيا إلى “تحكيم العقل”، وأشارت إلى أنها أصدرت أوامر لقواتها بعدم الرد على العسكريين الأتراك في إدلب حفاظا على أرواحهم[23].

 لكن في المقابل الاتفاق الحالي تم إبرامه بين تركيا وروسيا فقط دون إشراك إيران، بدلاً من اعتماد صيغة أستانا الثلاثية، وهو تهميش لا تقبل به إيران. خاصة وأن هناك مناطق في الشمال السوري ترى إيران نفسها مسؤولة عنها أخلاقياً وسياسياً كالنبل والزهراء والكفرا والفوعة. كما يمكن أن يعني ذلك بأن هناك نية لاستبعاد إيران من مشاورات الحل السياسي النهائي للأزمة.

رابعاً، مستقبل الاتفاق

إن استشراف مستقبل الاتفاق مبني على المعوقات التي ستواجهه في الميدان، والفرص التي يطرحها. بجانب مواقف الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة الأخرى. وهنا تبرز عوامل قد تساعد على نجاح الاتفاق وديمومته وأخرى قد تكون سبباً في إفشاله:

(1) عوامل تساعد على نجاح واستمرار الاتفاق:

(أ) رغبة الجانب التركي، والذي يبدو أنه سيكتفي بالمساحة التي بات مسيطراً عليها في إدلب حالياً، خاصة وأنها كفيلة لتحقيق أهدافه الرئيسية من تواجده في إدلب، خاصةً بعد زيادة نقاط المراقبة التركية فيها. كما أن الممر الآمن والدوريات المشتركة ستمثل ضمانة لمنع تقدم قوات النظام وقضم المناطق الواحدة تلو الأخرى. أيضا باتت تركيا تدرك أن انتظار أي دعم عسكري لوجيستي من أمريكا أو حلف الناتو أصبح صعب المنال، وهو ما سيدفعها للحرص أكثر على إنجاح الاتفاق، فضلاً عن علاقتها مع الجانب الروسي.

وأخيراً أعلن الرئيس أردوغان، في المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه بنود الاتفاق، عن توقف إطلاق نار في إدلب مع احتفاظ أنقره بحق الرد على النظام[24]. أي أنه ضمنياً أي تصعيد يمكن أن تقوم به قوات النظام ضد قوات المعارضة أو تركيا، ستقوم تركيا بالرد عليه، دون أن يعني ذلك خرق أو وانتهاك للاتفاق، وكأن ذلك أحد بنود الاتفاق. وهي نقطة قد تساعد على ديمومة الاتفاق، حيث تعطي مرونة نوعاً ما في تطبيقه. لقد تم تنفيذ هذه النقطة فعلياً على الأرض، حيث أعلنت تركيا في اليوم التالي لإعلان الاتفاق عن تحييد 24 عنصراً من قوات النظام السوري، كرد على مقتل جندي من الجيش التركي في إدلب[25].

(ب) رغبة الجانب الروسي، في ديمومة هذا الاتفاق هذه المرة، على الأقل على المدى القصير والمتوسط. خاصة بعد أن استطاعت تحقيق جزء كبير من أهدافها في إدلب، من سيطرة على الطرق الدولية، وتأمين قواعدها في حميميم من خلال الممر الآمن. فضلا عن رغبتها في عدم تكرار التوتر الذي حصل في علاقاتها مع تركيا. ما يرجح رغبة روسيا في استمرار الاتفاق هذه المرة، سعيها لتبني مجلس الأمن الدولي إعلاناً يدعم هذا الاتفاق[26]، أي شرعنته بما يحجم محاولات خرقه. وأيضاً قلقها من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى استدارة حقيقية هذه المرة في العلاقات التركية الغربية على حساب موسكو. وأخيراً هناك متغير جديد آخر وهو امتلاك تركيا قوة نارية قوية عبر طائرات الدرونز، قادرة على إحداث المزيد من الخسائر في قوات حلفاء روسيا في حال حدوث تصعيد جديد، ما يدفع موسكو للتفكير كثيراً إذا ما رغبت في التصعيد في ملف إدلب.

(2) عوامل تساعد على فشل الاتفاق:

(أ) الولايات المتحدة، واحتمالات أن تقوم باللعب على وتر التوتر في العلاقات التركية الروسية، ومحاولة إعادة العلاقات لحالة التوتر من جديد. والأداة التي يمكن للولايات المتحدة استخدامها في هذا الصدد، إعلانها عن نيتها تقديم دعم عسكري لتركيا، فضلاً عن منظومة باتريوت. وبغض النظر عن مدى جديتها، فإنها تهدف من وراء ذلك إلى تحفيز تركيا على عدم التهدئة مع روسيا أو مع قوات النظام في إدلب.

ما يرجح ذلك هو، أولاً، عرقلة الولايات المتحدة مساعي روسيا لأجل تبني مجلس الأمن إعلاناً يدعم الاتفاق الأخير[27]. ثانياً تصريح المبعوث الأمريكي في سوريا في اليوم التالي لتوقيع الاتفاق، بأن واشنطن متأكدة “بشكل كبير” من أن قصف القوات التركية بإدلب يوم 27 فبراير الماضي تم بطائرات روسية[28]. والهدف من هكذا تصريح جلي. مدى قدرة أمريكا ان تمثل عائقاً في تنفيذ واستمرار الاتفاق يتوقف على مدى جديتها في هذا الدعم وطبيعة الاستجابة التركية للفعل الأمريكي.

فإذا كانت الولايات المتحدة جادة واستجابت لها تركيا، بما يُحدث تحول في العلاقات التركية الأمريكية، فإن انعكاس ذلك سيكون سلبياً على الاتفاق، ليس من جانب عدم التزام تركيا فقط، بل من الجانب الروسي أيضاً، الذي سيخلط الأوراق من جديد، ويُصعد ملف إدلب، وفق سياسة الأرض المحروقة، عقاباً لتركيا. وهذه الحالة التي يمكن فيها فشل الاتفاق بشكل كامل.

(ب) إيران، والتي تم تهميشها في هذه القمة والاتفاق، بما يزيد من شكوكها حول نية روسيا في تحجيمها وإبعادها عن مشاورات الحل السياسي، لنيل الدعم الغربي لهذا الحل. ولا يستبعد أن تقوم إيران بأى إجراءات على الأرض لتعرقل تنفيذ هذا الاتفاق. لكن إيران بعكس الولايات المتحدة، أقصى ما يمكن أن تفعله هو عرقلة تنفيذ الاتفاق بشكل جزئي، دون إفشاله بشكل نهائي، فضلاً عن عدم قدرتها على إحداث توتر في العلاقات التركية الروسية.

(ج) بنود الاتفاق، والتي يتسم بعضها بالغموض وعدم الحسم. بالنسبة للاجئين فإن فكرة عودتهم لمواطنهم في إدلب من الصعب تنفيذها فعلياً في ظل استمرار تواجد قوات النظام. أما هيئة تحرير الشام، فتركيا قد تكون لديها القدرة على إبعادهم نحو شمال المحافظة على الأقل بعيداً عن الممر الآمن. لكن القدرة على إنهاء وضعية هذه الهيئة وتواجدها في إدلب بشكل كامل يبدو صعباً لحد كبير، وقد يمثل ذريعة للجانب الروسي في خرق الاتفاق. نقاط المراقبة التركية، وإشكالية فك الحصار عن النقاط المحاصرة منها، ومدى إمكانية إنشاء أو إلغاء نقاط أخرى. أيضا تواجد قوات النظام في المناطق التي سيطر عليها مؤخراً. هل سيظل محتفظاً بها جميعها، أم هناك تراجع ولو جزئي سيتم؟ خاصةً وأنه قد يكون ضرورياً سواء لتنفيذ الممر الآمن أو لعودة اللاجئين.

ومن ثَمّ، فوفقاً للمعطيات السابقة، فإن احتمالية نجاح هذا الاتفاق مقارنة بالاتفاقيات السابقة تبدو أكبر في ظل الرغبة المتبادلة من الطرفين التركي والروسي في إنجاحه، سواء لاستمرار التحسن في العلاقات التركية الروسية، أو لأن المساحة التي باتا مسيطرين عليها في إدلب حالياً كافية لتحقيق أهدافهما فيها على المدى القريب والمتوسط. ومع ذلك، تظل المعوقات المتعلقة بالأطراف الأخرى الفاعلة كالولايات المتحدة وإيران والنظام السوري الراغبة في إفشال الاتفاق، فضلاً عن البنود الغامضة في الاتفاق تعيق نجاح واستمرار الاتفاق بشكل كامل وكبير.

وبالتالي، فبينما هناك عوامل تدفع نحو ديمومة ونجاح الاتفاق وأخرى تدفع نحو فشله فإن المتغيرين المركزيين في ترجيح المسار الأقرب هما: أولاً، جدية الطرفين التركي والروسي، والتي إذا كانت حاضرة فعلياً، فسيحاولان تجاوز هذه المعوقات، والتنازل قدر الإمكان عن بعض البنود لاستمرار الاتفاق. ثانياً، موقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإقدامهما على خطوة نوعية كتقديم دعم عسكري لوجستي، بالأخص منظومة الباتريوت، أو دعم تركيا في عمل منطقة حظر جوي، أو في قضية اللاجئين. حينها يمكن الحديث عن احتمالية عصف كامل بالاتفاق وخلط الأوراق من جديد.

ويبدو أن هناك احتمالية نجاح الاتفاق في كبح التوتر في العلاقات التركية الروسية، وبشكل أقل في خفض التوتر في إدلب. أي أن إنهاء التصعيد بشكل كامل في إدلب مرجح بشكل جزئي فقط، لكن الخروقات والمناوشات التي قد تحدث ربما لن تكون كافية لهدم الاتفاق، أو لتغيير كبير في خريطة النفوذ والسيطرة الحالية، ودون أن تصل لتوتر تركي روسي في المدى القريب والمتوسط.

خلاصة

في الختام خلصت الورقة إلى:

1- برزت عدة محددات أثرت في عقد القمة وخروج الاتفاق بهذا الشكل، أهمها الداخل التركي والتخوف من غضبه نتيجة سقوط المزيد من القتلى، وعامل السيطرة على الأرض والتي تصب في صالح النظام، والقوة النارية التركية الفاعلة والمفاجئة، والتي أحدثت بها خسائر فادحة في صفوف النظام.

والموقف الأمريكي والأوروبي، الذي من ناحية تَمثّل في دعم سياسي قوي حفز روسيا لعقد القمة بعد أن كانت رافضةً لها، ومن ثم خروج الاتفاق، خوفاً من حدوث استدارة في السياسة الخارجية التركية بعيداً عن موسكو نحو الغرب. ومن ناحية عدم ترجمة الدعم بشكل عملي عسكري لوجستي، دفع تركيا للتفاوض مع موسكو وإنهاء التصعيد، خوفاً من خسارتها لموسكو، في الوقت الذي لم تستطع فيه نيل دعم حقيقي من حلفائها التقليديين. والعلاقات التركية الروسية، وحجم تفاهماتهما السياسية، وروابطهما الاقتصادية الاستراتيجية، وإدراكهما أن الوقت الحالي لازال يدفعهما لاستمرار هذه التفاهمات. وأخيراً، إمكانية مقايضة الطرفين إدلب بملفات أخرى داخل سوريا، كشرق الفرات والأكراد، أو خارج سوريا، كليبيا.

2- استطاع الطرفان التركي والروسي وضع حد للتصعيد في إدلب عبر اتفاق مكمل لاتفاق سوتشي. وبينما كانت روسيا أكبر الرابحين، من حيث ضمانها السيطرة على الطرق الدولية، وتأمين قواعدها العسكرية، بالأخص قاعدة حميميم جوية، لكنها لن تكون قادرة على تحقيق كل أهدافها المرجوة من السيطرة على الطرق الدولية. أما تركيا، فوفقاً لأهدافها المعلنة فإن الخسارة قد تبدو واضحة، حيث لم تستطع استعادة حدود سوتشي، مع استمرار سيطرة النظام على المناطق التي دخلها في ظل التصعيد الأخير، لكن في المقابل أوقف الاتفاق تقدم النظام وقضمه المزيد من مناطق سيطرة المعارضة، خاصةً وأن المعارك أثبتت قدرة النظام على التقدم والسيطرة مقارنةً بالمعارضة، حتى مع وجود الدعم التركي لها. كما ضمنت تركيا والمعارضة سيطرتهما على الجزء الأكبر من إدلب لفترة أطول وفق الاتفاق الجديد. كما أن وقف النار، منع المزيد من موجات اللاجئين، والمزيد من الضحايا في صفوف الجيش التركي.

أما إيران، فبرغم رغبتها في وقف التصعيد، إلا أن الطريقة التي تم إخراج الاتفاق بها لم ترق لها. فعدم مشاركتها في القمة الأخيرة والاتفاق، أوحي بأن هناك مساعي لإبعادها عن مشاورات تقرير الحل النهائي إرضاءاً للغرب، كشرط لإعادة الإعمار، وشرعنة نظام الأسد. أما النظام وقوات المعارضة، فكلاهما غير محكومين بالحسابات والمحددات التي تحكم الأطراف الدولية والإقليمية، فالسيطرة على الأرض هدف في حد ذاته لهما. فبينما يرغب النظام في استعادة كامل سوريا ليصبح نظاماً شرعياً وطبيعياً، فإن المعارضة لم يعد لديها ما تخسره، في ظل تضاؤل مساحة سيطرتها. وبالتالي، فإن التوافقات التركية الروسية دائما ما تأتي على حساب هذين الطرفين.

3- إن احتمالية نجاح هذا الاتفاق مقارنة بالاتفاقيات السابقة تبدو أكبر في ظل الرغبة المتبادلة من الطرفين التركي والروسي في إنجاحه، سواء لاستمرار التحسن في العلاقات التركية الروسية، أو لأن المساحة التي باتا مسيطرين عليها في إدلب حالياً كافية لتحقيق أهدافهما فيها على المدى القريب والمتوسط. ومع ذلك، تظل المعوقات المتعلقة بالأطراف الأخرى الفاعلة كالولايات المتحدة وإيران والنظام السوري الراغبة في إفشال الاتفاق، فضلاً عن البنود الغامضة في الاتفاق تعيق نجاح واستمرار الاتفاق بشكل كامل وكبير.

وبالتالي، فبينما هناك عوامل تدفع نحو ديمومة ونجاح الاتفاق وأخرى تدفع نحو فشله فإن المتغيرين المركزيين في ترجيح المسار الأقرب هما: أولاً، جدية الطرفين التركي والروسي، والتي إذا كانت حاضرة فعلياً، فسيحاولان تجاوز هذه المعوقات، والتنازل قدر الإمكان عن بعض البنود لاستمرار الاتفاق. ثانياً، موقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإقدامهما على خطوة نوعية كتقديم دعم عسكري لوجستي، بالأخص منظومة الباتريوت، أو دعم تركيا في عمل منطقة حظر جوي، أو في قضية اللاجئين. حينها يمكن الحديث عن احتمالية عصف كامل بالاتفاق وخلط الأوراق من جديد.

ويبدو أن هناك احتمالية نجاح الاتفاق في كبح التوتر في العلاقات التركية الروسية، وبشكل أقل في خفض التوتر في إدلب. أي أن إنهاء التصعيد بشكل كامل في إدلب مرجح بشكل جزئي فقط، لكن الخروقات والمناوشات التي قد تحدث ربما لن تكون كافية لهدم الاتفاق، أو لتغيير كبير في خريطة النفوذ والسيطرة الحالية، ودون أن تصل لتوتر تركي روسي في المدى القريب والمتوسط.

المصدر : المعهد المصري للدراسات

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock