الانترنتتقنية

مضادات الفيروسات والحرب الرقمية الباردة

شهد العالم الرقمي خلال السنوات الفائتة وبالتزامن مع تطور لغات البرمجة وتحولها من النمط الرقمي البحت إلى النموذج المرئي (فيجوال) انتشار تطبيقات الكمبيوتر على نحو واسع، ولم يكن تزايد عدد شركات البرمجة هو الجديد فقط بل ظهور أعداد هائلة من المبرمجين الشباب، المتعطشين لولوج العالم الرقمي، ومن مختلف الجنسيات.

ولأن كل شيء حالياً لا بد وأن يخضع للمنظومة التي تحكم العالم فإن من غير المقبول لهم بقاء هذا “الانفلات الرقمي” إن صح التعبير، والذي تطور في كثير من الحالات لتشكيل مخاطر وتهديدات حقيقية لمصالح الدول، الأمنية والعسكرية والاقتصادية لا سيما مع ظهور بعض الهاكرز المتمرسين والمبرمجين الفذين الذي استطاعوا إطلاق تطبيقات تقوم بأعمال غير شرعية “فيروسات”، بعضها بهدف الكسب المادي كفيروس “الفدية” الذي ظهر مؤخراً بشكل خجول قبل أن يجتاح أكثر من 150 بلداً حول العالم ويصيب مئات آلاف الأجهزة الخاصة بالشركات، ويقوم الفايروس بقفل ملفات الكمبيوتر وتشفير البيانات بشكل كامل ثم يطلب من صاحب الكمبيوتر مبلغاً من المال (يتراوح بين 300-600 $) لفك التشفير، ولتعزيز إجراءات الأمان الخاصة بالمبرمج “الذي عجزت حتى الان كل أجهزة المخابرات في العالم عن معرفته” فإن الفدية يتم استلامها حصراً عبر العملات الرقمية “بيتكوين” التي لا يمكن تتبعها! وإن لم يدفع المستخدم الفدية فإن التطبيق يقوم بحذف كامل الملفات من الكمبيوتر المستهدف وهو ما لا تريده الشركات وقد يسبب لها مشاكل كبيرة.

وتستهدف بعض الفيروسات سرقة الحسابات البنكية وتحويل الأموال وبعضها بغرض التجسس مثل الفيروس الذي استخدمه عملاء أمريكيون لضرب أنظمة الكمبيوتر الخاصة بالمفاعلات النووية الإيرانية قبل بضعة أعوام، وبعض تلك الفيروسات لا يغدو عن كونه للتسلية، كفيروس “الحب” الذي طوره طالب جامعة فلبيني مطلع العام 2000 وأصاب حينها أكثر من 15 مليون جهاز كمبيوتر وسيرفر حول العالم وأدى لتعطلها بالكامل محدثاً خسائر بملايين الدولارات!

 ومن خلال المتابعة والتدقيق في تطور صناعة البرمجيات فإنه بالإمكان تقسيم حياة العالم الرقمي لمرحلتين، لا تفرق كثيراً عن واقع الحياة السياسية التي يعيشها العالم حالياً من خلال انقسامه لمعسكرين: شرقي (اشتراكي سابقاً) وغربي رأسمالي متطور، وإن كان انهيار الاتحاد السوفييتي يفصل بين عدة مراحل تاريخية، فإن إصدار نظام التشغيل ويندوز 7 يعتبر الفاصل بين المرحلتين اللتين عاشهما عالم الفيروسات الرقمي، فما قبله يختلف عما بعده جذرياً، فكيف ذلك؟

شكلت الفيروسات هاجساً كبيراً لشركات البرمجيات الضخمة وخصوصاً الأمريكية (كشركة مايكروسوفت) حيث كانت الفيروسات تستغل ثغرات برمجية بأنظمة مايكروسوفت وبرامجها لاستهداف المستخدمين مما يجبر الشركة على متابعة ذلك وإيجاد الحلول بسرعة وملاحقة الثغرات الأمنية وإغلاقها وهو ما يتطلب جهداً وتكاليفاً ليست بالقليلة.

ومن منطلق “درهم الوقاية” فإن الشركات الأمريكية بدأت بالاستثمار في مجال مكافحة الفيروسات عن طريق بيع برامج الحماية (مضادات الفيروسات) وعلى رأسها شركة “سيمانتيك” التي ظل تطبيقها وحيداً في الساحة وكسبت من بيعه ملايين الدولارات، حيث لم يكد يخلو كمبيوتر من هذا البرنامج، ولكن الحال لم يستمر كثيراً إذ سرعان ما انتبه كثيرون لذلك وبدأوا بالاستثمار في تطوير مكافحات الفيروسات وتحديداً في أوربا الشرقية، حيث ظهر أكبر عدد من الشركات المهتمة بهذا المجال، ولكن اقتحام هذا المجال لم يكن سهلاً أمام الشركات الناشئة وخصوصاً أن حيتان البرمجيات كانت تسبقهم بأشواط، ولذلك اتبعت أغلب تلك الشركات سياسات ترويجية خطيرة بأن جندت مطوري فيروسات يقومون ببرمجة فيروسات خبيثة ثم إعطاء تلك الشركات الأكواد المصدرية الخاصة بها، وعندما تفشل برامج الشركات الأمريكية بإيقاف الفيروسات الجديدة تظهر تلك الشركات الشرقية الناشئة وبيدها الحل (الذي تم تمريره لها من تحت الطاولة عبر هؤلاء المبرمجين) ومع تكثيف التغطية الإعلامية عدة مرات متتالية لاكتشاف طرق إيقاف بعض الفيروسات استطاعت تلك الشركات حجز قسم لا بأس به من سوق بيع برامج الحماية حول العالم، فانتشرت شركات عديدة وذاع سيطها كشركة كاسبرسكاي الروسية وشركة أفاست التشيكية وشركة بت ديفندر الرومانية وشركة ايزيت نود السلوفاكية وشركة avg التشيكية أيضاً وغيرها، حيث لم يعد هناك كمبيوتر حول العالم تقريباً إلا واستخدم أحد تلك البرامج أو جربها على الأقل، وكان ذلك مقابل تراجع كبير في الشركات الأمريكية المماثلة كشركة سيمانتيك التي انتهت تماماً واختفت من الساحة وتراجعت شركة “مكافي” التي كانت تصمم برنامجاً قوياً للحماية.

لم يستمر الوضع طويلاً على هذه الحال لاسيما مع اكتشاف حيل تلك الشركات، فتوجهت مايكروسوفت عملاق التكنولوجيا الأمريكية (صاحبها بيل غيتس أغنى رجل في العالم لسنوات) لإنتاج نظام تشغيل جديد كلياً والمفاجأة كانت بتضمنه على مضاد فيروسات مدمج وخاص من مايكروسوفت عملت على تطويره لسنوات وزودته بأحدث الخوارزميات وقواعد البيانات بالإضافة لتحديثه دورياً ليشمل أحدث المعلومات عن الفيروسات والتهديدات، ومع النظامين التاليين ويندوز 8 و ويندوز 10 تطور التطبيق كثيراً حتى بات مضاد الفيروسات رقم واحد على مستوى العالم وقضى بذلك على سوق برامج الحماية بشكل شبه كامل وهو ما أدى لشبه انهيارات في الشركات الأوربية الشرقية وتراجع كبير في مبيعاتها لا سيما مع إطلاق شركة أفيرا الألمانية أيضاً لتطبيقها الخاص بالحماية “والمجاني بالكامل” والذي احتل جزءاً مهماً من أجهزة المستخدمين الذي فضلوه على غيره من البرامج المدفوعة.

مكتب حماة الإعلامي فريق التحرير

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock